الشغف من منظور أوسع

بقلم / علياء سلطان

تعددت مفاهيم الشغف وأصبح الكثير من الناس يتفقون أن الشغف هو المحرك لوصول الإنسان لأهدافه، ولكن هناك أيضا الكثير من الناس يقفون ضد الشغف؛ حيث أن جزءً منهم يقول : "إن الشغف خرافه" ! وما على الإنسان اتباعه هو ما يسمى-البوصلة- تعني القدرة والرغبة.. والجزء الآخر يقول: "إن الشغف يحد من قدرات الفرد ويقتل الإبداع " ؛ وذلك لأن الشغف – من منظورهم- يعبر عن اهتمامات ثابتة وفطرية فعندما يجد الإنسان شغفه في عمل واحد كأن يقول: شغفي هو الرسم أو أنا شغوف بإدارة الأعمال، فهذا الشيء يجعله يقف عند هذا الشغف محتفظا به ورافضا أي تجارب أخرى قد يظهر فيها قدراته بقوة أكبر، وبشكل إبداعي أكثر!
هذه المفاهيم والآراء هي أغلب ما قد تقرأه وتسمعه عن الشغف، ولكن هل من الممكن أن نجد جوابا واحدا يتفق مع جميع هذه الآراء المختلفة؟!
لمعرفة ذلك سنقوم بتحليل الشغف..


ما هو الشغف؟
تعريف الشغف في قاموس (أكسفورد): "الشغف شعور قوي لدرجة قصوى، بالكاد يمكن السيطرة عليه". وهو أيضا مقارب لتعريفات المعاجم العربية، كما نرى هنا التعريف واسع يحمل العديد من المعاني أي أنه غير واضح إن كان الشغف جيد أو سيئ فمن الممكن أن يكون الشخص شغوف بشيء جيد يعود عليه وعلى من حوله بالنفع أو العكس؛ لذلك قام العلماء بتصنيف الشغف إلى نوعين: شغف انسجامي(تناغمي) وهذا النوع يأتي من مستوى العقل الواعي مما يعني أن الانسان قادر على التحكم به، وعندما يمارسه صاحبه يولد مشاعر إيجابية يليها إرادة قوية حتى يصل إلى مرحلة التدفق، وهنا يصبح عمله أكثر سهولة وانتاجية. أما النوع الثاني فهو الشغف القهري وهذا النوع يأتي من مستوى العقل اللاواعي أي أنه -إجباري- فيجبر الإنسان نفسه عليه ولا يستطيع التحكم به مما قد يؤدي إلى إهمال جميع أولوياته مما يولد مشاعر سلبية يلها إرادة ضعيفة، وعادة ما يكون سبب ذلك تعلق الشخص بأهدافه فإما أن يتخلى عن تعلقه بالأهداف، أو يقلل من هذا الشغف بشكل تدريجي حتى يتخلص منه، خصوصا إن كان هذا الشغف يعود عليه وعلى من حوله بالضرر.

مما يتكون الشغف؟
وللتعرف على الشغف بصورة اوسع سنتعرف على مكونات الشغف ؛ حيث يتكون من ثلاث عوامل: الاقتدارات الشخصية، والميول المهنية، والانشطة المصاحبة.
الاقتدارات الشخصية: وهي تعبر عن الاقتدار الانساني لأي شخص، وهو الاتصاف بالقدرة والقوة في امر معين، وهو بمثابة الصفات الجوهرية والمواهب والكفاءات الشخصية القوية لدى الانسان، وتعد الاقتدارات البوصلة الاساسية نحو الشغف. مثل: اقتدار الاكتشاف، والتعلم، والابتكار، والامل..
أما الميول المهنية: فتعني تفضيل الشخص مجالات عمل ومهن بالمقارنة بغيرها وتشعر الميول صاحبها بالراحة عند ممارستها كالميل الواقعي، والميل الفني، والميل الاجتماعي..
وأخيرا الأنشطة المفضلة: تحديد الانشطة المفضلة يساعد الانسان على فهم شغفه، ويقصد بها الانشطة التي دائما ما يمارسها الفرد بدون كلل او ملل. ولاكتشاف الشغف لابد من ربط هذه الثلاثة المكونات معا إذا يمكن القول إن الشغف هو نقطة التلاقي بين الاقتدارات الشخصية والأنشطة المصاحبة والميول المهنية.

وإن تأملنا هذه المكونات كتعريف للشغف سنجد أنه يتفق مع تعريف البوصلة حيث إن القدرة تكمن في القدرات والرغبة في الانشطة والميول وهنا وجدنا نقطة اتفاق لأول فئة تختلف مع الشغف. وللمزيد من المعلومات عن الشغف وطريقة اكتشافه يمكنك زيارة منصة الشغف التي يقدمها برنامج متقن.

 

هل الشغف يحد من قدرات الفرد لكونه من الاهتمامات الثابتة؟
الشريحة الثانية التي تقف ضد الشغف تفسر الشغف على أنه وهم تسعى إليه الفئة الهشة وذلك لأنهم يرون أن الشغف يحد من قدرات الفرد حيث يحثه على العمل في مجال واحد -مجال شغفه- وقد تحدثت عن ذلك الدراسة الشهيرة للباحثين دويك وجريج والتون من جامعة ستانفورد؛ حيث أجرى الباحثان العديد من الدراسات على طلاب الجامعات وتم اختيار مجموعة دائما ما يقدم لها النصح في العثور على شغفها في شكل مسار مهني أو تخصص.
أولاً: أجاب الطلاب على استبيان يصنفهم إلى فئتين: فئة مهتمة بالتقنية وفئة مهتمة بالعلوم الإنسانية ومن ثم أجاب الطلاب على استبيان الاهتمامات الثابتة، وتعني أن الاهتمامات الاساسية موجودة منذ الولادة تنتظر الاكتشاف فقط أو من يرى أن الاهتمامات شيء ممكن لأي شخص تنميته بمرور الوقت، ثم جعلوا كل فريق يقرأ مقالا لا يتوافق مع اهتماماته ومن خلال ذلك ظهر أن الطلاب المؤيدين للاهتمامات الثابتة كانوا أقل تأييدا للمقال المخالف لمجال اهتماماتهم وما استنتجه الباحثان هنا هو أن الاهتمامات الثابتة تحد من قدرات الفرد حيث أنه من الممكن أن يبدع في مجالات خارج عن نطاق اهتماماته ثم تصبح ضمن اهتماماته وهذا النوع الثاني من الاهتمامات يسمى (بنظرية النمو).
إن كان الشغف يصنف من الاهتمامات الثابتة حقا، فيمكن ايجاد تفسير آخر يجعل الاهتمامات الفطرية لاتحد من قدرات وتجارب الفرد، فمن خلال تعريفهما السابق للاهتمامات الثابتة أنه يتم -اكتشافها- فمن الممكن أن يكتشف شخص أنه يحب الطهي، وفي الغد بعد قراءة كتاب ما يكتشف أنه يحب القراءة، وبعد حضور دورة عن تطوير الذات يكتشف أنه يحب مجال التنمية الذاتية. فالاكتشاف لا نهاية له كما يقول جيمس جار ندر "الحياة رحلة غير متناهية من اكتشاف الذات" فعندما يكتشف الشخص اهتماماته يعني أنه يكتشف ذاته.
ولكن الشغف أيضا يمكن صنعه! مثلا: شخص شغوف بالرسم وشغوف بالإدارة وشغوف بالتصميم وبالبرمجة- لا تبدو مترابطة- هل عليه اختيار الرسم وقول أنا شغوف بالرسم والتخلي عن بقية اهتماماته!
بالطبع لا، لما يضيق على نفسه بينما بإمكانه صنع شغفه؟! وذلك عن طريق ربطها ببعض فبإمكانه مثلا: تصميم منصة لتعليم الرسم ثم يقوم بإدارتها وهكذا يكون صنع شغفه "شغف يجسده ولا يستطيع أحد تقليده فيه".

إذاً كما رأينا الشغف يحمل العديد من المعاني التي قد تكون غير متناهية فلما يضيق الإنسان على نفسه سواء بممارسة ما لا يحبه ويقدر عليه أو يحبه ولا يقدر عليه بينما بإمكانه عيش شغفه الذي يحبه ويقدر عليه؟ ولمِا يقوم بعيش شغف واحد بينما بإمكانه صنع شغفه الخاص من أكثر من اهتمام وشغف؟
إذا الشغف واسع ويتكون من مجالات عديدة سواء كانت مختلفة أو متشابه، فمهما كان شغفك يكفي ألا تحرم نفسك من عيشه فهاذا أقل حق من حقوقك كإنسان عِش حياةً تجسدك أنت تعبر عنك أنت بشغفك أنت.