نسيبة سهيل
نسيبة سهيل
8
كيف أُحقّق التوازن في حياتي؟
السؤال
أنا طالبة أدرس في السنة الاولى بكالوريوس أحب العزلة والابتعاد عن الآخرين وكذلك الصمت والتأمل والتفكير في حياتي الماضية والمستقبلية لدي طموح ان أصبح مهندسة كما أني أتحلى بقدرات مهمة في الدراسة ولكنني أصبحت لا أستطيع المراجعة!!! ولا ضبط وقتي كما كنت في السابق وكذلك أهمل صلاتي وقراءة القران الكريم، والتقرب من خالقي حضرت معكم دورة خماسية التوازن ولكني أفشل في تنفيذ خطة تطوير فأنا أحاول مرارا أن تصبح حياتي منظمة ومتوازنة.. أريد منكم مجموعة من النصائح التي تساعدني على تنظيم نفسي وتوازني في حياتي وكذلك القيام بواجبي الديني على أكمل وجه
الإجابة

أهلا وسهلا بك

شكرً لثقتك، وأسال الله أن يوفقني لارشادك الى ما تُريدين.

قرأت رسالتك عدّة مرات، ولفت انتباهي فيها حرصك على الرّقيّ بذاتك وتقويمها، واصرارك، وروحك المُثابرة وهذه بعضٌ من سمات الروّاد الناجحين أدامها الله عليك، وزادك نورًا وبصيرة،،

والسؤال الذي ختمت به الرسالة سؤالٌ مهم نحتاج أن نتأمله  جميعًا مع ذواتنا وفي مسيرة حياتنا بعد فترةٍ وأخرى، لأنّ الحياة بطبيعتها مُتموّجةٌ متقلّبة وكُلنا فيها كالربّان يسير بسفينته، ويوجهها في تقلّبات البحر المختلفة حتى يوازنها ويُوصلها الى برّ الأمان. 

وجمال الرّحلة وذكراها يكمُن في ما مررنا ونمرّ به من أمور مختلفة سارةٍ كانت أوتحدياتٍ مُتنوّعة وتعاملنا معها، وتأملنا لها واستقائنا العبر والفوائد منها. 

كيف أُنظّم نفسي وأُحقّق التوازن في حياتي؟ 

اليك غاليتي بعضًا من المفاتيح لتحقيق التوازن: 

* المفتاح1 (كوني واعية بذاتك): وتشمل الثلاث جوانب: 

1-الوعي بجسدي: (تقلباته الهرمونيّة الشهريّة وما يُرافقها من صعود أو هبوط للحالة النفسيّة وما يُساعده على الاسترخاء، أوقات النشاط والخمول وتُعينني معرفتها  في تنظيم أوقاتي للقيام بالأعمال المختلفة، والمرونة مع ذاتي فأُلزمها أو أُريحها). 

2- الوعي بنفسي ومشاعري: ( مايُخالجها من مشاعر مختلفة، نوعيّتها وارتباطاتها: مواقف وأحداث وردود أفعالي اتجاهها ومدى مُناسبتها، تقلبات هرمونيّة دوريّة وما يُرافقها من مشاعر، الأمنيات والرغبات وتأمّل نيّتي العميقة في اختيارها: هل شغفًا بها وادراكًا بتوافقها مع شخصيّتي ورغبة أن تكون بصمةً لي في الدنيا والآخرة من خلالها، ام طمعًا لشهرةٍ من نوعٍ ما مثلا، أو ضغطًا اجتماعيًا من الأسرة أو المجتمع) وهذه ستُساعدني في استقرار مشاعري، وتحديد موطن استخلافي.

3- الوعي بأفكاري: (واقعيّة ام حالمة، ايجابيّة ام سلبيّة، حقائق ام ظنون، تحديد رؤيتي -وذكرت رغبتك بأن تكوني مهندسة- وعمل خطة تدريجيّة للوصول اليها) .

كلّ هذه الجوانب (جسدي، نفسي او عاطفتي، عقلي) تؤثّر وتتأثّر ببعضها والقاعدة فيها ((الرّحمة)) ونجد كثيرا من نماذج الاتزان في الكون، وآيات عن التوازن والميزان في سورة الرحمن فارتبط التوازن بالرحمة؛ وعيي بذاتي سيجعلني رحيمةً بها أُقدّر مايعتريها من علوٍ وانخفاض فلا أكون مثاليّةً أو أصرّ على معايير عالية؛ فأتصالح أحيانًا مع بعض الفوضى لأُبدع بعدها أكثر، وأتنازل في أحيانٍ أخرى عن حرفيّة الجدول الذي قررته لنفسي لأنطلق بعدها بشكلٍ أقوى، كذلك أُراقب أفكاري لأنها تؤثّر على مشاعري التي ستُترجمها سلوكيّاتي وهكذا. 

المفتاح 2 (عقيدةٌ صافية): وتتمثّل في قوله تعالى: ((ايّاك نعبد وإيّاك نستعين)) لو تأملنا سير العُظماء الذين ظلّت آثارهم وعلمهم لعصرنا هذا نجد أنهم كانوا رغم مواهبهم وقدراتهم دائمي الاستعانة بالله تعالى، لأنهم موقنون أن الحول والقوّة من القويّ سبحانه وتعالى، مثال ذلك قول الامام الشافعيّ الذي عُرف بقوّة وسعة حفظه وكانت مَلَكةً تميّز بها: شكوت الى وكيعٍ سوء حفظي .. فأرشدني الى ترك المعاصي .. وأخبرني بأنّ العلم نورٌ.. ونور الله لايُهدى لعاصِ. الاستعانة تكون في كلّ الأمور وعلى رأسها الاستعاذة من الشيطان ووسائله، والاستعانة في أداء الطاعات والقرب من الله تعالى، ويجد الانسان أثرها (الاستعانة) في لذّة الايمان والبركة في حياته، واعماله، وانجازاته، وتحقيق أمنياته، وسعادته وهناه. 

صحيحٌ أنّ الانسان هو المسؤول عن نجاحه، لكنّ مصدر وسرّ النجاح يكمن في: (الاستعانة بالله تعالى دائمًا). 

المفتاح 3 (الوقت= التزام). 

المفتاح 4 (التركيز). وهذين المفتاحين شديدي الارتباط ببعضهما، ولايكملان الا ببعضهما فتخصيصي لوقت لمهمة ما من أيّ نوع يتطلّب مني التزامًا وقطع نفسي عن المشاغل فلا اُنجز أمرين في نفس اللحظة لو أردت الجودة العالية، وكذلك أُعطها كُلّ تركيزي فأعيش اللحظة اللتي أنا فيها بتفاصيلها (لا أسرح في الماضي ولا المستقبل) وهذا يُساعدني في تفعيل خُطتي التي وضعتها وتنفيذها. 

المفتاح 5 (التجديد): وهذا سرٌ مُجدد للنشاط والعمل في كلّ الجوانب وعلى رأسها الروح والايمان وهو من أسباب علاج الفتور، الشاهد على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إنّ الايمان ليَخلَقُ في جوف أحدكم كما يَخلَقُ الثوب فاسألو الله تعالى أن يُجدّد الايمان في قلوبكم" فشبّه الرسول الكريم الايمان بالثوب، فهو يحتاج الى اصلاح وغَسلٍ وتطييب، وتبديل ليظلّ ايمان الانسان مُتألقا ناصعا فاعلًا؛ ومن أمثلة التجديد: تجديد التوبة أولا، ومن ثم التنويع في العبادات دون تكليف النفس فوق طاقتها مع المحافظة على الفرائض وترويض النفس على أدائها في وقتها، ومن التجديد كذلك حضور مجالس الذكر فهي ترقق القلب وتعين النفس على الطاعة واستشعار فضلها، ومن أمثلة التجديد أيضًا التجديد في وسائل الدراسة والمراجعة كتغيير المكان المعتاد، وتجربة طرق جديدة في المراجعة كالخرائط الذهنية مثلا، او شرح المفاهيم لصديقة وبذلك تتم المراجعة ويثبت الحفظ، والتجديد في عمل الخطة الذاتيّة ووسائلها واليك احدى الطرق : https://www.youtube.com/watch?v=M7aUcp0iAWY وهكذا. 

وللتزوّد عن وسائل للقضاء على الفتور في الطاعة يُمكنك الاطلاع عللى الرابط: https://www.saaid.net/Doat/faisal/k/02.htm

المفتاح 6 (اختيار الصحبة الطيبة): من الجميل والمهمّ أن يكون للانسان لحظاتٌ من التأمل والخلوة بذاته، ومن ثمّ لحظات برفقة صحبة طيبة، وأُخوّة في الله تُعين في أمور الدنيا والآخرة، والمؤمن قويٌ باخوانه (احرصي على اختيار الصحبة الطيبة وتنويعها بما يُحقق لكما معًا خيري الدنيا والاخرة) هناك الصديقة التي تعينك على الدراسة، والتي تجدين لديها آذانا صاغية تُخفف عنك وتلهمك، والتي تُشاركك بعضًا من أهدافك، والتي تُشجّعك على الطاعة وترفع همتك (والأخوة في الله) خير سندٍ ورفيق في رحلة التوازن والنجاح في الحياة. 

ختامًا غاليتي: عنايتك بالجانب الروحيّ خير بداية لتحقيق التوازن وهي الأساس، وفيها سرّ البركة والفتوحات في كلّ الجوانب الأخرى. 

دُمت بخير.