الإتقان.. سر التميز

79485 

ضياع الإتقان اليوم أحدث تخلفاً عظيماً

ضياع الإتقان اليوم في مجتمعات المسلمين أحدث تخلفاً عظيماً، ليس في التدريس والمذاكرة، ولا التوظيف ولا العمل ولا الصناعة، بل أشياء كثيرة جداً صارت مغشوشة مهملة، صارت اليوم كثير من أعمال المسلمين فاقدة للإتقان حقيقة، ومن المؤسف أننا نتلفت اليوم شرقاً وغرباً نجد أن الغربيين قد أحكموا صناعتهم، فغزونا بها، والشرقيين من اليابان والصين وغيرهم قد أتقنوا صناعاتهم أيضاً فغزونا بها، صار الغزو لإتقانهم وتخلفنا، يعني اليابان ما عندها أصلاً خام (استانليستيل) اللازم لتصنيعه، يوجد في استراليا، لكن أكبر دولة تبيع هذه المادة في الشرق الأوسط، كيف ؟ لأنهم استفادوا من آليّة صناعة النحلة للعسل، لأن النحل يقع على العسل، فيمص الرحيق، ثم يطير، وجدوا أنه في أثناء عملية الطيران يقوم النحل بالتصنيع أثناء الطيران، ليضعه بعد ذلك في الخلايا، خلية النحل شهداً، فأثناء عملية النقل؛ نقل المادة رحيق الزهور إلى الخلية، تتم عملية التصنيع، فبنى اليابانيون بواخر ضخمة، عبارة عن مصانع متنقلة، تأخذ الخام من استراليا وتصنعه في الطريق وتبيعه في الشرق الأوسط إذا رست السفن جاهزاً في الموانئ .

أسباب عدم إتقان العمل

ما هي أسباب عدم إتقاننا للعمل ؟

الجهل بأهمية هذا ؟

الكسل والإهمال ؟

ما ذقنا لذة الإتقان ؟

تحقيق المكاسب السريعة

عدم الاهتمام بالمصلحة العامة للمسلمين

لا مبالاة، نجح أو ما نجح المهم نأخذ الأجرة، ما فيه حرص، الأمانة ضاعت أمانات، ما حققنا حديث ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) .

قلة الخبر؟ من الناحية الأخرى أيضاً، “من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”.

قالوا ضربة بيد صانع ولا مائة متعلم.

الخبرة مطلوبة، قال ابن القيم : وَالطَّبِيبُ الْجَاهِلُ إذَا تَعَاطَى عِلْمَ الطِّبِّ، أَوْ عَلِمَهُ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ، فَقَدْ هَجَمَ بِجَهَالَةٍ عَلَى إتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَأَقْدَمَ بِالتَّهَوُّرِ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ فَيَكُونُ قَدْ غَرَّرَ بِالْعَلِيلِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

المتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدٍ لأنه يتولد من فعله التلف.

رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه .

من الأسباب أيضاً ضعف العزيمة، ونريد أشياء بسهولة.

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ       وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها       وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

من الأسباب نفاد الصبر بسرعة، ((مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ))

لأن الإتقان لا بد له من صبر، والذي يريد أن ينتهي من الشيء سريعاً، ويلفقه تلفيقاً، ويعمل بأي طريقة لن يأتي العمل متقناً، أحياناً نستعجل فلا نعطي الوقت الكافي للعمل، ولا تتحقق الجودة، لأننا مستعجلون.

والذي يريد التفوق لا بد له من مذاكرة ومراجعة ومطالعة ومدارسة وهذا يأخذ وقتاً، والذي يريد أن ينتج منتجاً متقناً لا بد له من وقت، ثم ينفق مال على هذا الإتقان، وبعض الناس بخيل يريدها رخيصة، وكذلك فإن ضعف الموارد المستخدمة وكذلك ضعف الأدوات اللازمة قد نأتي بأشياء بدائية أحياناً، فلا يحصل الإتقان، وبعضنا يريد كثرة إنتاج على حساب الإتقان، والإنسان له طاقة محدودة، وبالتالي فإن الإنتاج وإن كان كثيراً سيكون مهلهلاً، وقد قيل : علامة الضبط: الإقلال . قليل متقن خير من كثيرٍ سيء .

عوامل إتقان العمل

ما هي العوامل التي تجعلنا نتقن في الأعمال، وبعض الناس يحدثونك بقضية ويقولون أسباب تخلف المسلمين، ويتوجه كلامهم فقط إلى الأشياء الدنيوية، فيقولون انظروا إلى الغرب و انظروا إلى الشرق، والقضية -يا إخوان- هي أن عندنا تقصير حتى من جانب العبادة وقراءة القرآن والتربية والدعوة وإعداد الخطب والمحاضرات، فالإتقان قليل نادر في أشياء كثيرة، حتى في العبادات، ولذلك يلزم الإخلاص في العمل، وإذا كان الواحد ما يتقن إلا إذا صار المدير فوق رأسه، فأنت عندما تصلي لا بد أن تعلم أن الله فوقك، أن تعبد الله كأنك تراك، هذا سبب الإتقان الأول، وبالتالي فإن عملية الإتقان عند المسلم لا ترجع في الأصل إلى نظام رقابي، ولا إلى وجود كاميرات وعيون، وإنما داخله هو الذي يضبط له القضية .

واعظ الله في قلب كل مسلم، لا بد أن تشعر بمراقبة الله لك، لا بد أن يكون هناك تنظيم دقيق وتخطيط سليم، لا بد أن نستفيد – ثالثاً – من تجارب الآخرين، فمثلا أحياناً تصير عندنا قضية ابتعاث عشوائي، وهذه المسألة تحتاج إن ترسل ناس معينين بصفات معينة لأخذ أشياء معينة، وليست عندنا، فيذهب ابن الثامنة عشرة، وقد اتصل علي بعضهم قبل يومين قال : أنا ذهبت إلى البلد الفلاني من جمهوريات روسيا، وتعرفت على بنت، وصار لي معها علاقة سنتين، ووقعت في الفواحش مراراً، والآن سأنتقل إلى استراليا ماذا أفعل ؟ لماذا؟ يذهب هكذا، يذهب تربته منخفضة، بل ولا تربية، والسن صغير، لا حصانة له، فلا زواج، ولا عقل يدفع به الشهوات، ولا علم يدفع به الشبهات… وماهي النتيجة؟ انتهك عرضاً فعل محرماً، ارتكب كبيرة، حمل مرضاً.. فهم سفراء الوباء. ماذا صنعتم؟ وما حصّلتم ؟ خراباً ويباباً… ولو أخذ ورقة في النهاية ورجع بها، لكن ما النتيجة؟ رقّ الدين وذهبت العقيدة..

دخل فتى صغير إلى محل تسوّق وجذب صندوق مشروبات غازية إلى أسفل كابينة الهاتف.. ووقف فوق الصندوق ليصل إلى أزرار الهاتف، و بدأ باتصال هاتفي.

انتبه صاحب المحل  إلى الموقف و بدأ بالاستماع إلى المحادثة التي أجراها هذا الفتى.

قال الفتى للطرف الآخر: سيدتي ، هل يمكنني العمل لديكِ في تهذيب عشب حديقتك؟

أجابت السيّدة عبر الهاتف: لديّ من يقوم بهذا العمل.

قال الفتى: سأقوم بالعمل بنصف الأجرة التي يأخذها هذا الشخص.

قالت : أنا راضية بعمل ذلك الشخص ولا أريد استبداله.

فألح وقال: سأنظف أيضا ممر المشاة و الرصيف أمام منزلك، و ستكون حديقتك أجمل حديقة في البلد.ومرة أخرى أجابته السيدة بالنفي، تبسّم الفتى و أقفل الهاتف، تقدم صاحب المحل- الذي كان يستمع إلى المحادثة – إلى الفتى و قال له: لقد أعجبتني همتك العالية، وأحترم هذه المعنويات الإيجابية فيك و أعرض عليك فرصة للعمل لدي في المحل.

أجاب الفتى الصغير: لا ، وشكراً لعرضك ، غير أني فقط كنت أتأكد من جودة عملي الذي أقوم به حاليا.. لأنني أنا الذي أعمل عند هذه السيدة التي كنت أتكلم معها .

التأني في العمل، التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وبعض الناس عندهم مذهب (الشلفقة)، وقضية (مشي حالك)، هذا كثير، لفلفلها كيف ما اتفق.

قيل: إنه كان هناك نجار تقدم به العمر، وطلب من صاحب العمل أن يحيله إلى التقاعد ليعيش بقية عمره مع أولاده، فرفض صاحب العمل طلب النجار ورغّبه بزيادة مرتبه فأصر النجار على الخروج من العمل .

فقال له صاحب العمل: إن لي عندك رجاءً أخيراً وهو أن تبني منزلاً أخيراً من الخشب هذا، آخر عمل أكلفك به، ثم أحيلك إلى التقاعد.

فوافق النجار على مضض، وبدأ بالعمل، وحيث أن هذا آخر شيء، استعمل مواد رديئة، وأسرع دون الجودة، مع أنه كان مبدعًا ومتميزًا.

فانتهى من البناء بوقت قصير، وسلّم صاحب العمل مفاتيح المنزل الجديد، وقال: اسمح لي بالرحيل.

إلا أن صاحب العمل استوقفه وقال له:  هذا أصلاً هديتي لك، ونيتي أن يكون هذا المنزل على حسابي نظير سنوات عملك في المؤسسة فأرجو أن تقبله مني!

لابد أن يوجد لدينا اختيار الأشياء التي نحبها ونتقن فيها، فقد يحسن الإنسان في شيء ولا يحسن في آخر، ميوله وإمكانته في أشياء، واكتشاف هذه الميولات مهم جداً من الصغر، ثم الإنسان إذا احتسب الأجر في العملية، نحن مسلمون وبالتالي فإن قيام الواحد منا بالإتقان هو عبادة، هو يعلم أن الله يحب هذا.

التخصص من عوامل إتقان العمل

قضية التخصص مثلاً التي تتبع مسألة الميول السابقة، هي قضية مهمة، كأن تكون في العلوم الشرعية، فهذا عنده ميول للقراءات، هذا عنده ميول للحديث، هذا عنده ميول للفقه، وهذا عنده ميول للتوحيد والعقيدة، وهكذا يبدع المبدعون، لا أن يصبح الأمر لأن القسم أقفل ومالك إلا القسم الثاني، فيدخل كثير من الطلاب أقساماً ليس لههم بها هواية، أو لمجرد أن المجموع ما جاء كذا،والدرجة ما جاءت كذا، وهذا أقفل، ما هناك استيعاب لميول الطلاب، ولا اكتشاف أصلاً.

الصبر والمثابرة عملية لا بد منها، والتشجيع على الإتقان، هم يقولون الآن جائزة الجودة النوعية ستمنح هذه السنة، مسابقة المصانع ومسابقة المؤسسات ومسابقة الشركات، ومسابقة المدارس، ومسابقة الجامعات، أحسن كلية، وأحسن…، هذا كله من باب الحث على العملية، نظام التشجيع والتحفيز مهم، ثم لا بد أن يكون عندنا اقتباس من المتخصصين، أو المتفوقين، يقولون لك : تفوقت سويسرا في صناعة الساعات والشوكلاته، تفوقت ألمانيا في صناعة السيارات، تفوقت الصين في المصنوعات الخفيفة، تفوقت كذا..، طيب هذا شيء نحتاج إلى تعلم أسبابه، لماذا تفوقوا، ما هي الأسباب ؟ هل نستطيع أن نأخذ هذه الأسباب ونتبناها، ما هو تصورنا للمستقبل بغير إتقان وجودة، في عالم التنافس، هل يمكن أن نتفوق ؟ الجواب : لا .

قضية التجديد مهمة، كم ترك الأول للآخر، ما أضر بالناس في مسألة الأعمال كقول القائل : ما ترك الأول للآخر !! .

يقول في كتاب ( السلوك لمعرفة دول الملوك) :

كان للسلطان [الملك الناصر محمد بن سيف الدين قلاوون] عناية كبيرة ببلاد الجيزة، وعمل على كل بلد بها جسراً أو قنطرة وكانت أكثر بلادها تشرق [ يشتد جفافها ] لعلوها، فعمل جسر أم دينار في ارتفاع اثنتي عشرة قصبة، أقام العمال فيه مدة شهرين، فحبس الماء حتى رويت تلك الأراضي كلها، وعم النفع بها. وأحكم السلطان عامة أرض مصر قبليها وبحريها بالترع والجسور، حتى أتقن أمرها، وكان يركب بنفسه إليها ويتفقد أحوالها، وينظر في جسورها وترعها وقناطرها بنفسه، بحيث إنه لم يدع في أيامه موضعاً منها حتى عمل فيه ما يحتاج إليه.

وكان له سعد في جميع أعماله، فكان يقترح المنافع من قِبَلِه بعد أن كان يُزَهِّدُه فيما يأمر به حُذَّاق المهندسين، ويقول بعضهم: الذين جاؤوا مِنْ قَبلنا لو علموا أن هذا يصح لفعلوه، فلم يلتفت إلى قولهم، ويفعل ما بدا له من مصالح بلاده، فتأتيه أغراضه على ما يحب ويختار، فزاد في أيامه خراج مصر زيادة هائلة في سائر الأقاليم. (المحاصيل تضاعفت)

وكذلك فعل بالبلاد الشامية، حتى إن مدينة غزة هو الذي مصَّرَها وجعلها على هذه الهيئة، وكانت قبل كآحاد قرى البلاد الشامية.. ولم تكن قبل ذلك إلا ضيعة من ضياع الرملة .

فبسبب قلاوون بعد الله صارت غزة في ذلك الوقت على الحالة التي عليها .

قضية تطوير النفس والبحث عن أسباب النجاح والإبداع في العمل، القراءة المستمرة في التخصص، متابعة للمستجدات، هذه مسائل مهمة، ونحن اليوم نكسل عن متابعات كثيرة، بمجرد من أن الواحد ينال درجة دكتوراه ينام، وكأن العلم انتهى عند هذا الحد، وأين البحث عن أفكار ومقترحات الناس .

المعتقد الغربي للجودة

الجودة ليس شرط أن تكون في أغلى شيء، قد تأتي الفكرة الجيدة رخيصة الثمن لكن جيدة المفعول.

عرض مصنع ألماني جائزة لأحسن فكرة في اكتشاف العلب الفارغة التي تخرج على مسار المنتجات قبل تعبئتها في الصناديق الكبيرة، فينتج مثلاً الصابون، ثم يُعلّب في كراتين صغيرة، علب صغيرة، ثم تملى بها الصناديق الكبيرة ثم تشحن، يحدث أحياناً أن العلبة تخرج فارغة، فاتت العلبة قبل أن تدخل فيها الصابونة، فقدموا فيها اقتراحات، ففاز بالجائزة شاب ( هم اشترطوا أرخص فكرة وتؤدي النتيجة والمفعول ) اقترح وضع مروحة في مكان معين على هذا المسار، فإذا جاءت العلبة الفارغة، ذهب بها الهواء، قد يتصور بعضهم أن مثل هذا يحتاج إلى كمبيوترات كثيرة وقياسات وأوزان وأشياء، ليست الجودة مقتصرة على المنتج، اليوم يا جماعة لما يتحدثوا في قضية الجودة، ينطلقون من قضية إرضاء العميل، وهذا هو المعتقد الغربي السيئ المادي البحت.

 لماذا الجودة ؟ لإرضاء العميل.

الإتقان في الإسلام والجودة مفهوم أصلي، أما عندهم لو كان ممكن تخدع العميل ويخرج من عندك مسروراً، بينما كانت العملية عملية غش وضحك عليه، الغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، مفهوم الجودة في الكتب الغربية، قضية إدارة الجودة، والجودة النوعية والجودة الشاملة، كله مبني على المفهوم المادي الغربي البحت في قضية خدمة أو إرضاء العميل، وليست قضية إرضاء الله -عز وجل- ، لا بد أن يكون عندنا في معايير الإتقان انتظار هذه المسألة، نُظم تطبيق الجودة والإتقان في المفهوم الغربي يظهر منها فعلاً أن ما فيه مانع من اللجوء إلى الكذب، لأجل الحصول في النهاية على هذا، والآن قد يحصل بعضهم على الآيزو (ISO)بخمسين ألف ريال، رشوة، وبعض الشكليات والورقيات، المسألة هي مسألة أمانة في الأصل في هذا الدين، كذلك بعض الناس يغرق في الجانب النظري جداً ومنشغل عن مسألة الإنتاج أصلاً.

ثمرات الإتقان

وثمرات الإتقان كبيرة، فإن الإنسان ينال رضا الله، وتحصل البركة والرفعة في الآخرة والدنيا وتتحقق مطالب الشريعة، وإذا كان الإتقان في طلب العلم والتعليم والحديث والقرآن والتجويد كيف ستكون قوة الأمة ؟ إذا كان الإتقان في الدعوة، إتقان أساليب الدعوة، بعد إتقان منهج الدعوة ، طرق الدعوة، وسائل الدعوة، التبليغ ، الداعية بناء الدعاة، التربية، بناء المربين، التربية أحكام التربية وإتقان التربية، زرع المفاهيم كيف تؤسس القواعد في النفوس، بأي شيء تبدأ، كيف تتعاهد هذا المفهوم، استعمال القصة تارة، والحدث، والموعظة، ضرب المثل، وهكذا استثمار الأحداث، هنالك إتقانات مهمة جداً اليوم نتحاج إليها في عالم الدعوة والتربية، كي يخرج دعاة على مستوى نشر هذا الدين، كي يخرج لنا مربون ينتجون لنا أجيالاً.. عندنا اليوم نقص وتدهور في مستوى الدعوة والتربية، فلذلك مقاومة هذا الباطل العام والكاسح من يتصدى له؟ ولماذا ؟ حتى تطبيق معايير الجودة في الدعوة والتربية مهم أيضاً، وليس بالطريقة النظرية أو المادية التي عند الغرب، نأخذ منهم ما نستفيد لكن عندنا ما نزيد عليه، كما تقدم من الأسباب .

وإن النجاح وليد الاستمرار والمثابرة، وإن الإتقان سبب البقاء، والقدرة على المنافسة للآخرين، ثم يُكسب الثقة في منهجك وطريقتك، وأنت إذا كنت متقناً في طريقة العرض كسبت الزبائن بالفكرة، في عالم تتصارع فيه المناهج والأطروحات، ويزاحم فيه المبتدعة والمشركين أهل التوحيد، ويهجم فيه أهل الباطل والكفر على أهل الحق والإسلام، فيحتاج أهل الإسلام اليوم إلى الإتقان في المواجهة، لأن طريقة العرض والتقديم والإعلام والإعلان وتعبئة هذا المنتج وكيف نغزو به نفوس الآخرين، فيدخل فيها برداً وسلاماً، المسألة تحتاج إلى تعاون ومثابرة، لا بد أن ننشئ مدارس عملية في هذا الجانب، سواء كانت بمنشئات أو بأشخاص وخبراء، لأن القضية تختصر الوقت فإن عدم الإتقان يضيع أوقات كثيرة، لا بد من التدريب، ولا بد من التطوير، ولا بد من الابتعاد عن التسيب والإهمال واللامبالاة، وقضية النوم والكسل، في بعض شعوب العالم كاليابانيين عندهم قضية الراحة عيب، هذا شعب يجيد الادخار، ويدخر من 20  – 40% من دخله، وعنده الإتقان عنوان، والنظرية أنه لا يوجد شخصان يمتازان بنفس الدرجة من التفكير والإبداع، إلا ماتوا، هم يقولون يموت الإبداع إذا كنا نتشابه في التفكير والابتكار، ولذلك لا بد أن يوجد اختلاف بيننا باستمرارية التقدم، فيستغلون الفروق الفردية والجماعية، وإذا كان الإتقان طريق التفوق والقوة، { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }(القصص: من الآية26). لا بد أن نحافظ على هذا، ليست المسألة اليوم مسألة حسب ونسب وشرف، وهالة إعلامية وشهرة، لا ، القضية هي  قضية جودة حقيقية داخلية، { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } (يوسف:55). صفتان للإتقان والإنتاج وتحقيق المطلوب والوصول إلى الهدف، {حفيظٌ عليم}، لم يذكر يوسف في هذا أنه ابن نبي،  وأنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، بل ذكر الصفات المناسبة للمهمة .

فتعلمِ العلم الذي تختارُه       لتجيدَه فالسَبْقُ للمتفرِّد

وإذا أردتَ كرامةً من مهنة       أَتقنْ فإن أتقنتها تتسوَّد

الإتقان سبب الرفعة، قال الذهبي : لا ريب أن ابن لَهيعة كان عالم الديار المصرية، هو والليث معا، كما كان الإمام مالك في ذلك العصر عالم المدينة، والأوزاعي عالم الشام، ومعمر عالم اليمن، وشعبة والثوري عالما العراق، وإبراهيم بن طهمان عالم خراسان، ولكنَّ ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم. فرواية ابن لهيعة ليست مثل روايات اللليث ومالك والأوزاعي وشعبة، إبراهيم بن طهمان.

مرة أخرى، إن مفاسد وأضرار عدم الإتقان تجعلنا اليوم نعلم علماً يقيناً أنه لا بد أن نهتم بهذه القضية، والعمل الغير المتقن وجوده كعدمه، وأحياناً عدم وجوده أحسن .

كانت العرب تنفي العمل كله إذا انتفى التجويد والإتقان، فتقول للصانع الذي ما أحكم صنعته: لم تعمل شيئاً، وتقول للسامر والمتكلم الذي ما أحسن قوله: لم تقل شيئاً.
إن لم يكن هناك إتقان تُفقد الثقة، إذا الداعية ما أتقن يفقد المدعوين، إذا المربي ما أتقن يفقد المتربين.

ثم انعدام الإتقان ضرب من ضروب الغش، وسبب عظيم للتخلف، انظر اليوم إلى الخسائر الحادثة بسبب عدم الإتقان، وفايات لإهمال طبي،نسيت فوطة، مشرط، زادت جرعة التخدير والنتيجة الله مات. العامل في المجال الصحي مؤتمن على أرواح الناس، الصيدلي مؤتمن في قضية الدواء، المهندس مؤتمن في قضية البناء، كم مبنى سقط ؟ وعمارة انهارت وأرواح ذهبت وأموال وخسائر، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (لأنفال:27) .

تصدعات في جدران، في جسور، تؤدي إلى انهيارات وخسائر في الآليات والأرواح، سدود أغرقت بلدان.

وقضية الجودة ليست كما قلنا عندنا نحن المسلمين في المسألة الدنيوية المادية فقط، فالخطيب هل يتقن إعداد الخطبة؟ لا أنه وهو ذاهب للمسجد ربما يقول لصاحبه : ما هو رأيك نخطب عن ماذا؟ هل عن غزوة بدر ؟

فإنك يا أخي إذا لم تحترم عقول المصلين عندك وليس عندك حسن إعداد، لماذا تستولي على المنبر، أفسح المجال لغيرك.

الإتقان في الحياة الزوجية مهم جداً في أحكام بناء الأسرة، الإتقان في العلاقات الجماعية يديم لك الصداقات والأخوة والعلاقات مع أقاربك وأصدقائك وإخوانك في الله .

الإتقان إذاً أيها الأخوة له أبعاد كثيرة، ما هي القضية فقط قضية دنيوية، ليست القضية فقط قضية شرعية بمعنى أعمال الآخرة فقط، العبادات فقط، الشعائر التعبدية فقط.

لا بد من مراجعة العملية، عملية الإتقان هذه والإحسان وإن الله كتبه على كل شيء تجعلنا نراجع أنفسنا ونصر على أن نغرس هذا المبدأ في الصغار ونتعود عليه ونُصر عليه كباراً حتى يرضى الله عنا.

شاركPrint this pageShare on Google+Share on TumblrPin on PinterestShare on FacebookTweet about this on Twitter